الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
75
مختصر الامثل
وقيل : إنّ رجلين قالا : أينكح محمّد نساءنا ولا ننكح نساءه واللَّه لئن مات لنكحنا نساءه فنزلت الآية أعلاه وحرّمت الزواج بنساء النبي من بعده مطلقاً ، وأنهت هذه المؤامرة . التّفسير مرّة أخرى يوجّه الخطاب إلى المؤمنين ، لتبيّن الآية جانباً آخر من أحكام الإسلام ، وخاصة ما كان مرتبطاً بآداب معاشرة النبي صلى الله عليه وآله وبيت النبوة ، فتقول أوّلًا : لا ينبغي لكم دخول بيوت النبي إلّاإذا دعيتم إلى طعام واذِن لكم بالدخول بشرط أن تدخلوا في الوقت المقرر ، لا أن تأتوا قبل ذلك بفترة وتجلسون في انتظار وقت الغذاء ، « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِىّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرِ نَاظِرِينَ إِنَاهُ » « 1 » . ومن المسلم أنّ هذا الحكم لا يختص ببيت النبي صلى الله عليه وآله ، إذ ينبغي أن لا تدخل دار أي إنسان بدون إذنه كما نقرأ - في الكافي - في أحوال النبي صلى الله عليه وآله أنّه عندما كان يريد دخول بيت ابنته فاطمة عليها السلام كان يستأذن ، وكان معه جابر بن عبداللَّه يوماً ، فاستأذن له بعد أن استأذن لنفسه . إضافةً إلى أنّهم إذا دُعوا إلى طعام فينبغي أن يكونوا عارفين بالوقت ، لئلّا يوقعوا صاحب البيت في جهد وإحراج في غير مكانه . ثم تناولت الحكم الثاني فقالت : « وَلكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانتَشِرُوا » . وتقول في الحكم الثالث : « وَلَا مُسْتْنِسِينَ لِحَدِيثٍ » فلا تجلسوا حلقاً تتحدثون بعد تناول الطعام ، سواء كان ذلك في بيت النبي ، أم في بيت أي صاحب دعوة . طبعاً ، قد يرغب المضيفون في مثل هذه الحلقات والمجالس ، فهذه الحالة مستثناة . ثم تبيّن الآية علة هذا الحكم فتقول : « إِنَّ ذلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىَّ فَيَسْتَحْىِ مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْىِ مِنَ الْحَقّ » . من المسلّم أنّ النبي صلى الله عليه وآله لم يكن يتردد لحظة ، ولا يخشى شيئاً ، أو يستحيي من شيء في بيان الحقّ في الموارد التي لم يكن لها بعد شخصي وخاصّ ، إلّاأنّ بيان الحق إذا كان يعود على القائل نفسه ليس بالأمر الجميل الحسن ، أمّا تبيانه من قبل الآخرين فانّه رائع ومستحسن ، ومورد الآية من هذا القبيل أيضاً .
--> ( 1 ) « إناه » : من مادة « أنّى - يأني » أي حلول وقت الشيء ، وتعني هنا تهيئة الطعام للتناول .